في لحظة فارِقة، بات الخبر الذي يُبَثّ بلا موعد، ويُنتَج أحيانًا بلا غرفة أخبار، أوسع انتشارًا من نشرات الثامنة التي صاغت الوعي العام لعقود. لم يعد السؤال: من يملك المنصة؟ بل: من يملك الخوارزمية، والبيانات، وثقة الجمهور المتقلبة؟ بين الطباعة والبث من جهة، والبيئات الرقمية المتشظية من جهة أخرى، تشكّلت بنية إعلامية جديدة تُعيد تعريف السلطة، والاقتصاد، والمهنية.
من جمهور واحد إلى جماهير خوارزمية
تاريخيًا، قام الإعلام التقليدي على نموذج البث الجماهيري: رسالة واحدة، توقيت واحد، جمهور واسع نسبيًا. هذا النموذج تفكّك مع صعود المنصات الرقمية التي تستبدل التحرير المركزي بتوزيع خوارزمي شخصي.
عمليًا، بات الوصول محكومًا بإشارات سلوكية (الزمن، التفاعل، الشبكات) أكثر من القيمة التحريرية الخالصة. ,تشير تقارير حديثة إلى أن أكثر من نصف مستخدمي الأخبار عالميًا يصلون إلى المحتوى عبر منصات اجتماعية أو تجميعية بدل المواقع مباشرة.
الأثر المباشر: انتقال السلطة من “بوابة التحرير" إلى "بوابة التوزيع"، وبالمقابل، تَحَوّل دور المؤسسات من مُرسِل إلى مُنسّق حضور عبر منصات متعددة.
للفاعلين العرب، يعني ذلك الاستثمار في فهم الخوارزميات، وبناء فرق توزيع وتحسين محركات المنصات (Platform SEO)، لا الاكتفاء بإنتاج المحتوى.
اقتصاد المُنشئ وغرف الأخبار تحت الضغط
صعود منصات الفيديو القصير (تيك توك، ريلز، شورتس) أطلق اقتصاد المُنشئ الذي يُكافئ الفرد القادر على السرد السريع والتفاعل العالي.
بالمقارنة، تعمل غرف الأخبار بإيقاع أبطأ، وتكلفة أعلى، ومعايير تدقيق أشد. بيانات 2024–2025 تُظهر أن الفيديو القصير استحوذ على الحصة الأكبر من نمو استهلاك الأخبار بين الفئات دون 30 عامًا.
منصات إخبارية أعادت هيكلة فرقها لتأسيس وحدات رقمية، فارتفعت نسب الوصول والتفاعل، لكنها واجهت تحدي الحفاظ على العمق، والدرس المهني هنا مزدوج: تبنّي أشكال جديدة دون التفريط بالمعايير، وبناء مسارات تحويل ذكية تنقل الجمهور من القصير إلى التفسيري.
الثقة في زمن الانتشار السريع
من الضرورة التنبه إلى أنّ تسارع الانتشار يؤدي إلى تآكل الثقة إن لم تُدعَم بآليات تحقق واضحة. بيئات الخوارزميات تُكافئ الإثارة، ما يرفع مخاطر التضليل؛ فوفق دراسات نشرت خلال 2024–2025، لا تزال الثقة في الأخبار أقل على المنصات مقارنة بالمصادر المباشرة، رغم ارتفاع الاعتماد عليها.
هذا الأمر دفع بمؤسسات كبرى لتبني سياسات "الشفافية التحريرية" (إظهار المنهج، مصادر البيانات، وتصحيح الأخطاء علنًا)، الأمر الذي ساهم في تحسين مؤشرات الثقة.
أمّا عربيًا، فإن الحاجة باتت ملحّة لتوحيد معايير التحقق الرقمي، وإدماج التربية الإعلامية في الاستراتيجيات التحريرية، هذا يعني عمليًا، أنّ الثقة ليست خطابًا؛ إنّما تصميم تجربة.
نماذج عمل تتبدّل بلا يقين
لم يعد الإعلان عمودًا وحيدًا؛ فالاشتراكات، العضوية، الرعاية، والإعلانات الموجّهة أعادت تشكيل اقتصاد الإعلام. وبحسب تقارير حديثة فإن النمو الاشتراكات الرقمية بطيء لكنه ثابت، في المقابل فإن هناك تقلب بعوائد الإعلانات الخاضعة لسياسات المنصات والخصوصية.
المقارنة تكشف أن النماذج الهجينة أكثر صمودًا. عربيًا، ما زالت فجوة الدفع قائمة، لكن تجارب العضوية المرتبطة بقيمة معرفية محلية تُظهر مؤشرات واعدة، وعلميًا فإنه ليس هناك نموذجًا واحدًا يصلح للجميع؛ وهنا يبرز أهمية الاختبار المستمر القائم على بيانات الجمهور.
الحوكمة والامتثال في فضاء عابر للحدود
وهكذا، أصبح العمل داخل منصات عالمية يفرض امتثالًا لسياسات محتوى، وقوانين خصوصية، وقابلية نقل البيانات. فمثلًا نجد أنّ تشدد الأطر التنظيمية في أوروبا وغيرها قد انعكس عالميًا، بما في ذلك المنطقة العربية، وهذا أدى للتضييق على بعض أشكال الاستهداف الإعلاني، وزيادة كلفه، وهنا تصبح الحاجة لبناء قدرات قانونية - تقنية ضرورة، لا ترفًا، كما أن تنويع قنوات التوزيع يقلّل من أخطار الارتهان لمنصة واحدة.
البيانات والذكاء الاصطناعي… من الدعم إلى الشراكة
لم تعد البيانات مجرد أرقام أو معلومات تقاس؛ بل تحولت إلى مدخل لاتخاذ القرار؛ فأدوات الذكاء الاصطناعي تُستخدم اليوم في الرصد، التلخيص، التوصية، وأحيانًا الصياغة، مع بقاء التحرير البشري حاسمًا.
وتشير تقارير 2025 إلى توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار لتحسين الكفاءة دون الاستغناء عن الحكم التحريري. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي شريك إنتاج وتوزيع، وليس بديلًا عن المسؤولية المهنية، وهذا يعني أيضًا أن الاستثمار في الحوكمة الأخلاقية للأدوات يجب أن يسبق تعميم استخدامها.
المراجع
[1] معهد رويترز لدراسة الصحافة. تقرير الأخبار الرقمية 2025. تقرير، جامعة أكسفورد، 2025. الرابط: https://www.digitalnewsreport.org/.
[2] Pew Research Center. News Consumption Across Platforms. تقرير، مركز بيو للأبحاث، 2024. الرابط: https://www.pewresearch.org/.
[3] WAN-IFRA. World Press Trends 2024–2025. تقرير، الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار، 2025. الرابط: https://wan-ifra.org/.
عبد اللطيف نجم
باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.
المزيد عن الكاتب ←