تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الإعلام الرقمي

صناعة الإنفوجراف: هندسة الوعي البصري في عصر التدفق الرقمي

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
صناعة الإنفوجراف: هندسة الوعي البصري في عصر التدفق الرقمي

في عام 1972، وبينما كانت البشرية تخطو خطواتها الأولى نحو استكشاف أعماق الفضاء، حمل المسبار "بايونير 10" (Pioneer 10)  لوحة معدنية ذهبية صممها عالم الفلك "كارل ساغان". لم تحمل اللوحة مقالات مطولة بالإنجليزية أو لغة أو دلالات معقدة، بل حملت رسوماً تخطيطية تشرح موقع الأرض وطبيعة البشر؛ إذ كان الرهان حينها على أن الصورة تعتبر اللغة الوحيدة العابرة للثقافات، وربما للحضارات الكونية.

اليوم، ونحن نغرق في محيط من البيانات التي يولدها العالم على مدار الساعة، والتي قدّرت بنحو 180 "زيتابايت" بحلول عام 2025 وفقاً لـ  (Statista, 2024)نجد أنفسنا أمام التحدي ذاته: كيف نحول هذا الضجيج الرقمي إلى "لوحة ذهبية" يفهمها القارئ في ثوانٍ معدودة؟

هنا تبرز أهمية صناعة الإنفوجراف بوصفه ضرورة استراتيجية لـ "هندسة الانتباه"؛ فإذا كانت الكلمة تبني الفكرة، فإن الإنفوجراف يمنحها الهيكل والسرعة والقدرة على النفاذ في سوق "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy).

من البيانات إلى القصة: متى يتحول الرقم إلى صورةً تتحدث؟

لا يمكن النظر إلى المحتوى الرقمي اليوم باعتباره مجرد نصوص مكتوبة، بل هو كيان ديناميكي يسعى لتجاوز "عتبة الملل" لدى المستخدم، أمّا الإنفوجراف (Infographic) فهو دمج عبقري بين "المعلومات" (Information) و"الرسوم" (Graphics)، بهدف إلى تبسيط المعقّد، وتلخيص المطوّل، وإظهار الأنماط المخفية بين الأرقام.

لكن السؤال الجوهري الذي يواجه صناع ومعدّي المحتوى الرقمي اليوم: متى نلجأ إلى الإنفوجراف؟

لا تكمن الإجابة عن هذا السؤال في جودة، قوة أو جمالية التصميم، إذ أن الهدف من الإنفوجراف يتقدم على الجانب الجمالي، ومن هنا فإن الإجابة عن السؤال تكمن في سؤال آخر، ما الهدف من الإنفوجراف؟ هل هو إبراز تغيّر عبر الزمن، أو إجراء مقارنة حادّة بين متغيّرين أو أكثر، أو كشف توزيع جغرافي معين لظاهرة ما، فصانع المحتوى يلجأ إليه حين تعجز الفقرة المكتوبة عن حبس أنفاس القارئ أمام ضخامة الأرقام، وحين يكون الترابط بين المعلومات أهم من المعلومات ذاتها.

المنهجية العمليّة: كيف نحول الأرقام إلى سرد بصري

إن صناعة إنفوجراف احترافي ليست عملية فنية تبدأ بفتح برامج التصميم، بل هي عملية منهجية - ذهنية تبدأ بالتحليل، ويمكن تأطير هذه المنهجية في ست خطوات:

  1. التنقيب والفلترة: والتي تبدأ من جبال البيانات الخام، والمهمة هنا ليست "ماذا نضع؟" بل "ماذا نستبعد؟"، وتعتبر الدقة هنا حجر الزاوية؛ ففي دراسة حديثة أشار "معهد رويترز لدراسة الصحافة" (2023) إلى أن 64% من الجمهور يثقون في المحتوى البصري المدعوم بمصادر بيانات معلنة أكثر من المقالات المجردة.

  2. اكتشاف الجوهرة: بعد فلترة البيانات، واختيار اللازم منها، تبدأ عملية البحث عن "المفاجأة"، عن نمط غير متوقع، أو نسبة تكسر القاعدة، هل هناك علاقة طردية لم يلحظها أحد؟.. فهذا هو المحرك الذي ستبنى حوله القصة.

  3. المواءمة السياقية: وهنا تنطلق صياغة القصة من المنصة المستهدفة للنشر، فما يصلح لـ "لينكد إن" بوقاره المهني، لا يصلح لـ "تيك توك" بسرعته الخاطفة، وما يصلح للتداول عبر "واتساب" مثلًا قد لا يصلح ليكون ضمن مقالٍ طويل، ولربما جمع التصميم -بذكاء- أحيانًا أكثر من منصة واحدة.

  4. الهندسة البصرية: وهي المرحلة التي نحرص فيها على أن يكون الشكل منسجماً مع المضمون، وأن يكون القالب المختارمتوافقاً مع  المتغيرات، فمثلًا إذا كان المتغير زمانياً -ربما- يكون التصميم هنا على هيئة "تايم لاين" (TimeLine) (إبراز العلاقة أو التغيّر فيها من خلال خط الزمن)، وإذا كان مكانياً فلعه من المناسب أن يأخذ الإخراج الفني شكل "خريطة تفاعلية"، ..الخ وهكذا. وبطبيعة الحال فإن هذه الأمثلة لا تعتبر مُلزمة؛ إذ أن لكل مصمم طريقته الخاصة في الإخراج البصري، لكن يكفي هنا أن نعلم أن إساءة اختيار الشكل البصري تعتبر بمثابة "ترجمة خاطئة" للمعلومة.

  5. التنفيذ الفني والتراتبية: على المصمم الماهر أن يعرف كيف يوجه عين القارئ نحو الأهم أولاً، ثم المهم، فالأقل أهمية، ..وهكذا.

  6. اختبار الثواني السبع: إسأل نفسك.. هل يمكن للمتصفح العابر استيعاب الرسالة المركزية خلال 7 ثوانٍ؟ إذا لم ينجح الإنفوجراف في هذا الاختبار، فهو مجرد لوحة فنية معقدة وليس أداة تواصل إعلامية. بالطبع ليس المقصود هنا فهم الإنفوجراف كاملاً خلال هذا الوقت، وإنّما التقاط الفكر الأساسية منه.

قواعد الاشتباك البصري

  1. لا تكتب المعلومة.. بل أظهرها بصرياً: في عالم التصميم بصورة عامّة، وعند تصميم الإنفوجراف على وجه الخصوص، تذكّر أن غرق التصميم في الألوان والزخارف قد يؤدي إلى "التلوث البصري" الذي قد يطمس الحقيقة العلمية.

  2. البساطة كأقصى درجات التعقيد: ينبغي أن يخدم كل خط وكل لون وظيفة محددة؛ فالتباين اللونيّ -مثلاً- ليس لإطفاء لمسة جمالية فقط، بل لتمييز الفئات كذلك.

  3. الأمانة الرقمية: فمثلاً تضخيم المساحات البصرية لنسب ضئيلة يعتبر "كذب بصري"، وتداول معلومات دون الإسناد إلى مصادرها قد يعتبر شكل من أشكال التضليل؛ إذ يجب الإشارة إلى المصادر بوضوح، كما ينبغي الإشارة إلى تاريخ تحديث هذه المصاد، لا سيما عند التعامل مع إحصاءات متغيرة مثل مؤشرات الاقتصاد.

  4. سهولة الوصول والفهم: كمراعاة المصابين بعمى الألوان، إلى جانب استخدام خطوط عربية واضحة، وتدعم القراءة على الشاشات الصغيرة.

  5. خطأ شائع: يعتبر استخدام "مخطط الدونات" (Donut Chart)  لأكثر من 5 عناصر خطأ شائعاً؛ كون ذلك يصعّب من المقارنة البصرية على العين البشرية.

مثال: "الإنفوجراف" في خدمة الرؤى الوطنية

تعتبر تجربة المملكة العربية السعودية في عرض "مبادرة السعودية الخضراء" نموذجاً فريداً، فعوضاً عن إصدار تقارير نصية جافة، تم توظيف الإنفوجراف الديناميكي، هذا التكامل البصري أدى إلى زيادة معدل مشاركة المنشورات (Engagement Rate) بنسبة تجاوزت 300% مقارنة بالمنشورات التقليدية، وفقاً لتقارير الأداء الرقمي للمبادرة في عام 2024... القارئ لم يعد "يقرأ" الخبر، بل أصبح "يشاهده" ويتفاعل معه.

خارطة طريق لصنّاع المحتوى الرقمي

إن الانتقال إلى فكرة توظيف الإنفوجراف بصورة استراتيجية يتطلب بناء الثقافة البصرية داخل المؤسسات، ولتحقيق ذلك:

  • على المدى القصير: توقف اليوم عن نشر الأرقام داخل النصوص الطويلة؛ ضع الرقم  الذي يستحق الذكر يستحق داخل إطار بصري مميز.

  • على المدى المتوسط: باشروا هذا الشهر بالاستثمار في تدريب فريق المحتوى على صناعة محتوى البيانات (Data Visualization) وليس برامج التصميم الجرافيكي فقط.

  • على المدى الطويل: لتعمل المؤسسة خلال هذا العام على بناء مستودع بيانات (Data Warehouse) خاص، يسهل استدعاء الأرقام منه وتحويلها إلى رسوم بيانية تفاعلية فورية.

أخيراً، الإنفوجراف ليس مجرد "رسمة"، بل هو جسر معرفي في عالم يزداد تعقيداً، بينما تظل القدرة على التبسيط كلمة السر الأهم.

المراجع

[1] الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT). (2025). تقرير التحول الرقمي في الإحصاءات الوطنية. الرياض، السعودية.

[2] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS). (2024). النشرة السنوية لإحصاءات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. القاهرة، مصر.

[3] Statista. (2024). Volume of data/information created, captured, copied, and consumed worldwide. https://www.statista.com

[4] Reuters Institute. (2023). Digital News Report: The power of visual storytellingin trust building. Oxford University.

[5] البنك الدولي. (2025). مؤشرات التنمية العالمية: الاقتصاد الرقمي في منطقة الشرق الأوسط. https://data.worldbank.org

عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←