تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الذكاء الاصطناعي والإعلام

فخ "المحتوى المتوسط": لماذا ستصبح اللمسة البشرية (Human Touch) العملة الأغلى في سوق مشبع بالذكاء الاصطناعي؟

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
فخ "المحتوى المتوسط": لماذا ستصبح اللمسة البشرية (Human Touch) العملة الأغلى في سوق مشبع بالذكاء الاصطناعي؟

في عام 1930، تنبأ الاقتصادي الشهير "جون ماينارد كينز" بأن أحفادنا سيعانون من مشكلة تقنية فريدة، تتمثّل في وفرة الفراغ الناتج عن كفاءة الآلات. اليوم، ونحن في عام 2026، بدا أننا لا نعاني من وفرة الفراغ بقدر معاناتنا من "تضخم الضجيج"؛ فبينما كانت المعلومات في السابق تُستخرج بجهد بشري مضنٍ كما المعادن النفيسة، فقد تحولت اليوم إلى ما يشبه السيل الجارف الذي يتدفق بضغطة زر.

ولكن، هل سألت نفسك يوماً: لماذا نشعر بـ"الجوع المعرفي(1)" رغم أننا نغرق في محيط من المحتوى؟ ولماذا تفشل آلاف المقالات المثالية في تحريك ساكنٍ في وجدان الجمهور، بينما تنجح تدوينة عفوية من خبير متمرس في قلب الطاولة؟ ببساطة، هذا لأننا نقف اليوم أمام "مفارقة الندرة الجديدة(2)"؛ ففي سوقٍ أصبحت المعلومة تُباع فيه بالكيلوغرام، لم تعد القيمة فيما نعرفه، بل في تلك البصمة التي تمنح المعرفة معناها. وهنا، تتحول اللمسة البشرية من ترفٍ أسلوبي إلى أصلٍ استراتيجي نادر، ومن كاريزما عابرة إلى طوق نجاة في محيط من "المحتوى المتوسط(3)".

ظاهرة "تسطيح المحتوى" (Content Flattening): خطر النتيجة الأكثر احتمالية

وهنا نسأل، ما الذي قد يحدث عندما نترك صناعة الرأي للنماذج الإحصائية؟ ببساطة، سنقع في فخ المحتوى المتوسط، إذ أنّ الآليات التوليدية بطبيعتها، تعمل وفق مبدأ التنبؤ بالكلمة التالية والأكثر احتمالاً، وهذا يعني تقنياً أنها تبحث عن المركز أو المعدل العام للوعي البشري المخزن في قواعد بياناتها. أمّا النتيجة؟ فهي محتوى آمن، متوقع، يخلو من النتوءات النقدية، ويشبه إلى حد كبير وجبات الطعام السريع: تسد الجوع اللحظي لكنها تفتقر للغذاء الروحي والتميز.

وللمناسبة، الحديث هنا ليس عن شيء يشبه البحث عن التريند (Trend) أو ملاحقة الاهتمام، إنّما عن شيء أعمق من ذلك بكثير؛ فالبحث عن المركز عبارة عن إعادة إنتاج لما هو متوقع، فالبحث لا يكون -بالضرورة- عما هو رائج الآن، لكنها تبحث المتوسط الحسابي لكل ما كُتب سابقاً.

ولتقريب الصورة إلى الأذهان، تخيلوا مثلاً لو طلب من الآلة وصف "النجاح":

إنها لن تعطينا فكرة ثورية أو تجربة شخصية مؤلمة وملهمة، لكنها ببساطة ستقوم بعملية مسح إحصائي لمليارات الجمل التي تحدثت عن النجاح، وستجد أن الكلمات الأكثر تكراراً مثلاً، هي: (العمل الجاد، الأهداف، الاستيقاظ مبكراً)، وستقوم بناءً على ذلك بصياغة نص يجمع هذه الكلمات الأكثر احتمالية وتوقعاً.

هذا التسطيح أدى إلى تشابه مريب في مخرجات المنصات الرقمية؛ فعلى سبيل المثال، المقالات التي تتحدث عن "أهم 10 نصائح للنجاح" أصبحت تُكتب بالبنية ذاتها، والروح ذاتها، حتى فقدت المؤسسات الإعلامية ميزتها التنافسية.

إن المحتوى الذي لا يحمل مخاطرة فكرية أو وجهة نظر مغايرة يظل محتوى لا يُبنى عليه ولا يُتذكر، وهو ما يعرف في إدارة المشاريع الرقمية بـ"فقدان التمايز الاستراتيجي(4)"؛ حيث يتشابه الجميع، وتصبح القيمة صفراً، ويتحول الجمهور من متابع مخلص إلى عابر سبيل لا تربطه بالعلامة التجارية أي رابطة وجدانية.

سيكولوجية الثقة في عصر التزييف: البحث عن التوقيع

في تقرير "إيدلمان للثقة" (Edelman Trust Barometer) لعام 2025، برز مؤشر مقلق يشير إلى أن 68% من المستخدمين حول العالم يشعرون بـ"ارتباك المعلومات(5)" نتيجة لتداخل المحتوى البشري مع المحتوى التوليدي. وقد خلق هذا الارتباك رد فعل عكسي إيجابي نحو الأصالة؛ فالقارئ في عام 2026 لم يعد يبحث عن ماذا يقال فحسب، بل أصبح يبحث وبلهفة عن مَن يقول؟ وما هي التجربة التي يتحدث بها؟.

نعم، لقد بدأ ما يمكن نطلق عليه "عقد الثقة الجديد" بالتشكل، هذا العقد الذي لا ينطلق من دقة البيانات فحسب؛ إذ أن الآلة معروفة بتفوقها في هذا المجال، لكنه يقوم كذلك على المسؤولية الأخلاقية والسمعة الشخصية. مثلاً: عندما يقرأ المختصون مقالاً لكاتب يعرفون تاريخه المهني، فهم لا يستهلكون بذلك الكلمات، وإنّما يستثمرون في رصيد الثقة لهذا الكاتب، حيث أنّ العلامة الشخصية (Personal Branding) للمستشار أو الإعلامي لم تعد أداة تسويقية فحسب، بل أصبحت صمام أمان للمصداقية في بيئة رقمية طافحة بالتزييف والهلوسة المعلوماتية.

ما الذي تفتقده الآلة؟ مكوّنات اللمسة البشرية السحرية

يدرك خبراء الاتصال الاستراتيجي، أن الرسالة الإعلامية ليست مجرد نص ومصدر، بل هي سياق معقد من الرموز والدلالات، وهنا تبرز ثلاثة مكونات تجعل اللمسة البشرية عصية على الأتمتة:

  1. السياق الثقافي والاجتماعي العربي: اللغة العربية ليست مجرد مفردات، فهي محملة بالمسكوت عنه، وما هو بين السطور، فالقدرة على إسقاط مثلٍ شعبي شاميّ، أو استحضار بيت شعرٍ شعبي نجدي، أو فهم مكنونات النكتة السياسية في القاهرة، مهارات تتطلب تعايشاً وليس تعلماً، لذا؛ فإن الآلة قد تترجم المعنى، لكنها ستفشل في نقل "النكهة".

  2. الذكاء العاطفي والروابط الوجدانية: يعرف الكاتب البشري متى يستفز القارئ، متى يطبطب عليه، ومتى يتركه في حيرة تساؤلية، إنه يعرف ذلك ويتقنه جيداً؛ فصناعة المحتوى المؤثر هي عملية نقل عدوى شعورية، وهذا التلاعب الواعي بالأوتار العاطفية هو ما يبني المجتمعات الرقمية التي لا تبنى بمجرد قواعد البيانات.

  3. الرأي النقدي والجرأة المحسوبة: نعرف أنه من المفترض أن تكون الآلة مبرمجة على الحياد الآمن، أو التزام السياسات، على خلاف الإنسان الذي يمتلك شجاعة اتخاذ موقف غير شعبي، أو انتقاد ظاهرة سائدة، أو مخالفة ما هو مألوف، ..الخ، وهذه الجسارة الفكرية هي التي تصنع قادة الرأي.

اقتصاد الندرة: عندما يصبح الفكر خدمة فاخرة (Premium)

لقد بتات من الواضح أننا ننتقل بسرعة من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد الندرة الفكرية، ومع هذا النموذج الجديد، تصبح المعلومات العامة سلعة رخيصة ، ومتاحة للجميع، بينما يتحول التحليل العميق والرؤية الاستشرافية إلى خدمة فاخرة.

ففي نشرة موجهّة للقيادات التنفيذية؛ لا تكون القيمة في نقل الخبر الذي يعرفه الجميع، بل في تفكيكه وربطه بمصالح المؤسسة وتوقعات السوق المحلية، والمؤسسات الإعلامية التي سيقدّر لها النجاج، هي تلك التي ستستثمر في العقول التحليلية التي تعيد صياغة البيانات الجامدة إلى قصص ملهمة واستراتيجيات قابلة للتنفيذ.

خارطة طريق عملية: كيف تتفادى فخ "المتوسط"؟

لا يعتبر التميز وسط كل هذا الضجيج مسألة صعبة، إنه فقط بحاجة لفهم جيد وعميق، تخطيط مهني، وانطلاقة سليمة، يمكنكم مثلاً العمل وفق نموذج 80% - 20% لإدارة المحتوى الرقمي:

  • 80% لأتمتة الخدمات: وهنا يمكن استخدام الأدوات الرقمية في جمع البيانات، تلخيص التقارير الطويلة، تنظيم المواعيد، واقتراح العناوين الأولية.

  • 20% للأصالة – للإنسان: وهنا يتم العمل على التحرير النهائي، إضافة الأمثلة المحلية الحية، وضع اللمسة الأسلوبية الخاصة، وإسقاط الرأي النقد. وهذه الـ20% هي التي ستمنح المحتوى 100% من قيمته السوقية.

العودة إلى الإنسان

أخيراً، نحن لا نشهد نهاية عصر الكتابة أو الإعلام، لكننا نعيش نهاية عصر الحشو المعلوماتي، ففي هذا الفضاء الطافح بما لا يمكن حصره، ستظل الكلمة الصادقة، الزاوية الحادة، واللمسة البشرية الدافئة، العملة التي لا تنخفض قيمتها، وعلى القادة الرقميين، والإعلاميين، والمؤثرين، وصنّاع المحتوى أن يدركوا أن "التكنولوجيا وسيلة، لكن الإنسان هو الغاية والوسيلة معاً".

فلا تكن صدى لخوارزمية؛ وكن صوتاً يتردد في العقول.. استثمر في فرادتك، استمتع بأخطائك البشرية الجميلة، وفي قدرتك على الدهشة، وتأكد أنه الشيء الوحيد الذي لا يمكن محاكاته.


(1) الجوع المعرفي :(Cognitive Hunger) هو الفجوة المتسعة بين "كثافة الاستهلاك" و"عمق الإدراك"، وهي حالة يشعر فيها المستخدم بعدم الرضا المعرفي رغم تعرضه المستمر لتدفق هائل من المعلومات، وذلك بسبب افتقار هذا المحتوى للقيمة التحليلية، أو السياق الإنساني، أو المعنى الجوهري الذي يربط المعلومات ببعضها. وباختصار؛ الجوع المعرفي هو نداء العقل البشري للبحث عن "النوع" في زمن غلب عليه "الكم".

(2) مفارقة الندرة الجديدة (The New Scarcity Paradox): تعتبر مفهماً جوهرياً في اقتصاديات المحتوى الحديثة، ويمكن تعريفها باختصار كالتالي: هي الحالة التي تتحول فيها المعلومات من "مورد نادر" إلى "سلعة فائضة" لا قيمة لها، بينما يتحول المعنى والسياق البشري إلى "المورد الأندر" والأغلى ثمناً.

(3) المحتوى المتوسط (Middle-of-the-Road Content): هو ذلك المحتوى الذي يقف عند حدود "الكفاءة التقنية" دون أن يتجاوزها إلى "التميّز الإبداعي". وهو المنتج المعرفي الذي يلتزم بالمعايير القياسية والقوالب الجاهزة، مما يجعله محتوىً آمنًا، متوقعًا، وخاليًا من أي وجهة نظر نقدية أو "نتوءات" فكرية تميزه عن غيره. وباختصار؛ المحتوى المتوسط هو "الوجبة السريعة" للإعلام الرقمي؛ وهي تسد الفراغ في المنصات، لكنها لا تبني ولاءً ولا تصنع قادة رأي.

(4) فقدان التمايز الاستراتيجي (Loss of Strategic Differentiation): هو الحالة التي تصبح فيها المخرجات الإبداعية أو الإعلامية للمؤسسة "غير قابلة للتمييز" عن مخرجات المنافسين، نتيجة الاعتماد المفرط على القوالب الجاهزة، أوالذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يؤدي إلى ذوبان "الهوية الخاصة" للمؤسسة في بحر من المحتوى المتشابه.

(5) ارتباك المعلومات (Information Confusion): مصطلح محوري في سيكولوجية الجماهير الرقمية الحديثة، ويصف الحالة الذهنية للمستخدم، وهو حالة من "العجز الإدراكي" تصيب المتلقي نتيجة تداخل المحتوى البشري الأصيل مع المحتوى التوليدي (الآلي) في فضاء رقمي واحد، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على تمييز المصدر، أو التحقق من القصد (Intent)، أو قياس مدى صدقية العاطفة المعروضة في النص.

المراجع

[1] إيدلمان، تقرير مقياس الثقة السنوي 2025: ارتباك المعلومات في العصر الرقمي، Edelman Trust Institute.

[2] معهد رويترز لدراسة الصحافة، تقرير الأخبار الرقمية 2024: استراتيجيات النجاة في بيئة مشبعة تقنياً، جامعة أكسفورد.

[3] ستاتيستا (Statista)، توقعات حجم البيانات العالمي وتأثيرها على اقتصاد الانتباه (2024 - 2027).

[4] هارفارد بزنس ريفيو، لماذا لا تزال اللمسة البشرية هي الميزة التنافسية الوحيدة؟، نسخة الشرق الأوسط، 2025.

[5] الشركة السعودية لتقنية المعلومات (SITE)، تقرير المخاطر الناشئة والفرص في الإعلام الرقمي الحديث، 2025.

عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←