تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الذكاء الاصطناعي والإعلام

إعلام "الوكلاء" لا "الأدوات": كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي صياغة الهياكل التنظيمية للمؤسسات الإعلامية؟

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
إعلام "الوكلاء" لا "الأدوات": كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي صياغة الهياكل التنظيمية للمؤسسات الإعلامية؟

لحظة طرق الذكاء الاصطناعي أبواب غرف الأخبار، تعاملت معه القيادات التحريرية بذهنية "المطرقة والسندان"؛ أداة صماء تُسرّع التفريغ الصوتي، أو برمجية تُصحح القواعد اللغوية، أو خوارزمية تُجدول المنشورات.

لكن، ماذا لو توقفت هذه التقنية عن كونها مجرد "أداة" (Tool) تنتظر أوامر المشغل البشري "افعلي كذا"، وتحولت إلى "وكيل" (Agent) يمتلك تفويضاً لاتخاذ قرارات تشغيلية وتحريرية ضمن أطر أو سياقات  محددة؟

نحن لا نتحدث هنا عن استبدال المحرر بالآلة، بل عن تحول جذري في مفهوم "القوة العاملة"؛ فبينما كانت الأدوات التقليدية تخدم الصحفي، بدا أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يتدافعون لمشاركته الطاولة، لا كمنافسين، وإنّما كأعضاء ضمن فريق هجين يعيد تعريف الهيكل التنظيمي للمؤسسة الإعلامية من القمة إلى القاع.

فهل هيّئنا أنفسنا لإدارة مؤسسات تضم 20 صحفياً بشرياً و100 وكيل ذكاء اصطناعي يعملون على مدار الساعة؟

من الأدوات إلى الوكلاء: فجر الوكالة الرقمية

في العرف التقني، تكمن الفجوة بين "الأداة" و"الوكيل" في عنصر المبادرة والقدرة على التكيف، فالأداة هي وسيلة تنفيذية تتطلب مدخلات مستمرة، أما الوكيل (Agent) فهو كيان برمجبي قادر على استيعاب هدف عام (Goal)، وتحويله إلى سلسلة من المهام الفرعية، ثم تنفيذها مع تصحيح المسار ذاتياً بناءً على التغذية الراجعة من البيئة المحيطة.

في المؤسسة الإعلامية الحديثة، لم يعد "الوكيل" مجرد محرك بحث متطور، بل أصبح ميسر تدفقات العمل (Workflow Orchestrator). ولتقريب الفكرة إلى الأذهان دعونا نجري هذه المقارنة بين المشهدين: في عصر "الأدوات"، يستخدم الصحفي برنامجاً لترجمة مقال.

أما في عصر "الوكلاء"، فإن الوكيل يرصد بشكل ذاتي وكالات الأنباء العالمية، يختار القصة المتسقة مع الخط التحريري، يترجمها، يكيفها ثقافياً للجمهور المحلي، يقترح صوراً أرشيفية أو مولدّة، ثم يرسل "مسودة متكاملة" للمحرر البشري لاتخاذ قرار النشر.

وبهذا، يكون الذكاء الاصطناعي قد انتقل من خانة "الآلة الكاتبة" إلى مرتبة "المساعد التحريري" بناء على صلاحيات استباقية كان قد امتلكها، وبطبيعة الحال فإن هذا التحول لن يغير من انسيابية وتدفق الموضوعات فحسب، وإنّما سيعمل على تغيير طبيعة المخاطر والمساءلة؛ فإذا أخطأ الوكيل في اختيار الزاوية الخبرية -مثلاً-، فإن المسؤولية ستقع على عاتق "مهندس السياق" الذي وضع المعايير، وليس على عاتق المحرر النهائي فحسب.

الهيكل التنظيمي: عندما تتلاشى الأقسام وتولد الأدوار

إن دخول الوكلاء إلى صلب العمليات سيؤدي حتماً إلى تآكل الهياكل الرأسية التقليدية، فأقسام مثل الترجمة، التدقيق اللغوي، وتنسيق الأرشيف، وغيرها لن تظل قائمة بذاتها، بل ستتحول بفضل الوكلاء المتخصصين إلى "قدرات مضمنة" (Embedded Capabilities) داخل كل خلية إنتاج.

بالمقابل، فإننا سنشهد ولادة وصعود أدوار وظيفية لم تكن موجودة في "دليل الموارد البشرية" قبل عامين، مثل:

  • مهندس السياق الإعلامي (Context Engineer): المسؤول عن تلقين الوكلاء "نبرة الصوت" (Tone of Voice) الخاصة بالمؤسسة وسياستها وقيمها التحريرية.

  • مدير أخلاقيات الخوارزميات (Algorithmic Ethics Officer): وهو الشخص الذي سيراقب انحيازات الوكلاء ويضمن عدم انزلاق المحتوى نحو التضليل أو الكراهية.

  • محلل السلوك اللحظي (Real-time Behavior Analyst): وسيعمل على إدارة الوكلاء المسؤولين عن تعديل المحتوى بناءً على تفاعل الجمهور بشكل فوري وفي اللحظة ذاتها.

لك أن تخيل مؤسسة إعلامية رشيقة؛ يشرف رئيس التحرير فيها على فريق صغير من "مدراء الوكلاء"، بينما يقود كل مدير بشري كتيبة من الوكلاء الرقميين: وكيل لرصد الترند، وآخر للتحقق من الحقائق (Fact-checking)، وثالث لإنتاج الوسائط المتعددة، ..الخ. هنا، سيتحول العمل من صناعة المحتوى إلى إدارة منظومات لصناعة المحتوى.

اقتصاديات غرف الأخبار الرشيقة وقابلية التوسع

لطالما كان التوسع في الإعلام مكلفاً؛ فالتغطية العالمية تتطلب شبكة مراسلين ومكاتب حول العالم، أمّا اليوم، فإن "إعلام الوكلاء" صار يتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحقيق توسع لانهائي بتكاليف ثابتة.

تشير تقديرات تقرير "مستقبل الأخبار 2024" الصادر عن معهد رويترز إلى أن أكثر من 70% من قادة الإعلام يخططون لاستخدام الذكاء الاصطناعي بغرض تعزيز الكفاءة التشغيلية، وليس لمجرد خفض التكاليف.

الميزة هنا ليست في انخفاض التكلفة وحسب، بل وفي التخصيص الفائق (Hyper-personalization)، فالوكيل لا ينتج خبراً واحداً للجميع، إذ يمكنه توليد 100 نسخة من القصة ذاتها، مع توجيه كل نسخة لشريحة ديموغرافية محددة، بلغة وأسلوب واهتمامات مختلفة.

التخصيص والسيادة: من يملك القرار التحريري؟

وهنا تتجلى واحدة من المعضلات الكبرى، تلك التي تتعلق بالسيادة التحريرية؛ فمثلاً عندما يقترح الوكيل زاوية معالجة معينة، لحدث سياسي معين، مستنداً على تحليل ملايين البيانات التي تشير إلى أن الجمهور يفضل هذا النوع من العناوين، فهل نتبع وقتها "البيانات" أم "القيم الصحفية"؟

إن الحفاظ على الهوية المؤسسية وسط تدفق كبير تم توليده آلياً يتطلب إطاراً صارماً للقيادة البشرية للذكاء الاصطناعي، إذ يجب أن يظل الوكيل في حالة "تفويض مشروط"، يمتلك فيها صلاحية الاقتراح والتنفيذ الأولي، بينما يحتفظ البشر بصلاحية "الفيتو" والاعتماد النهائي، وهنا يصبح من الضروري تصميم بروتوكولات واضحة لنقاط التسليم بين البشر والآلة، تضمن عدم ضياع "الروح" الصحفية في ثنايا الخوارزميات.

خارطة الطريق نحو "إعلام الوكلاء"

ختاماً، إن التحول باتجاه هيكل تنظيمي مدعوم بالوكلاء ليس ترفاً تقنياً، بقدر ما هو ضرورة للاستمرار في بيئة إعلامية شديدة التسارع، والأمر يتطلب شجاعة في إعادة تصميم الوظائف قبل امتلاك البرمجيات.

وربما صار من الضروري أن تسارع المؤسسات الإعلامية للبدء بتنفيذ تجارب، وإن كانت "محدودة النطاق"، كإنتاج نشرة بريدية أو محتوى لمنصة واحدة بالاعتماد كلياً على وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتحت إشراف محرر واحد، قبل تعمل على تصميم "مصفوفة مخاطر الذكاء الاصطناعي" الخاصة بها، وتبدأ بتحديد المهام التي يُسمح فيها للوكيل بالاستقلالية التامة (مثل تصنيف الأرشيف) والمهام التي تتطلب مراجعة بشرية إجبارية (مثل المقالات الرأي والتحقيقات).

جدير بالذكر أنه لا ينبغي على المؤسسات الإعلامية أن تتوقف عند أحد المستويين السابقين، إذا ينبغي أن تنتقل في مرحلة ما بتنفيذ ببرامج إعادة تأهيل للمحررين بغرض تعلم مهارات "هندسة الأوامر" (Prompt Engineering) وإدارة الوكلاء، ذلك أن المحرر الذي لا يعرف كيف يقود وكيلاً ذكياً سيجد نفسه خارج الهيكل التنظيمي الجديد.

وتأكدوا، أن الذكاء الاصطناعي لن يكتب نعي الصحافة، بل سيكتب نعي "البيروقراطية الإعلامية" التقليدية، ليفسح المجال أمام إعلام أكثر ذكاءً، سرعة وقدرة على الوصول.

المراجع

[1] نيومان، نيكولاس. "توقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2024". معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، (10 يناير 2024).

[2] مركز تريندز للبحوث والاستشارات. "الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الإعلامي: الفرص والمخاطر". (15 مايو 2023).

[3] تقرير الشركة السعودية لتقنية المعلومات (SITE). "مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي والسياسات المقترحة". (أغسطس 2023).

[4] نيلسن، راسموس كلايس. "تطور غرف الأخبار في عصر الوكلاء الذكيين". دورية الإعلام الرقمي العالمية، (مارس 2024).

[5] أكاديمية DW. "دليل المؤسسات الإعلامية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي". (نوفمبر 2023).

عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←