تخطي إلى المحتوى الرئيسي
التربية الإعلامية والوعي الرقمي

من فصل منعزل إلى بنك وطني لمناعة أبنائنا الرقمية

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
من فصل منعزل إلى بنك وطني لمناعة أبنائنا الرقمية

في نهاية المقال ملف PDF حول المصفاة الرباعية، يمكنكم تحميله مجاناً

توقف المقال السابق عند سؤال بسيط في ظاهره، كبير في أثره: عندما يبدأ عشرات المعلمين، كلٌ في فصله المنعزل، بتطبيق "المصفاة الرباعية" بطريقته الخاصة، من الذي سيجمع هذه التجارب المتناثرة في مكان واحد، ليحولها من اجتهادات فردية متفرقة إلى معرفة مؤسسية متراكمة؟ فمعلم في مدرسة ما يتوصل إلى أن مثالاً معيناً أثار نقاشاً حياً لدى طلابه، ومعلمة في مدرسة أخرى تقف على النتيجة ذاتها بمعزل تام عنه، لا أحد منهما يعرف عن تجربة الآخر، وهكذا تتكرر المحاولة وربما تكرر الخطأ، دون أن تتراكم الخبرة وتتناقل.

سبق أن رأينا في مقال سابق من هذه السلسلة، كيف أن التنسيق المؤسسي، ولو بأبسط أشكاله كما في التجربة السنغافورية، يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود المبعثرة التي تُنهك أصحاب المبادرات قبل أن تصل جهودهم إلى أي أثر تراكمي حقيقي. ولعل هذا تحديداً ما تحتاجه تجربتنا المحلية اليوم بعد أن ترجمنا خطواتها الثلاث الأولى بصورة عملية: خطوة تنظيمية جامعة، لا لإضافة عبء جديد على المنظومة، بل بهدف حفظ ما تحقق من الضياع بين أدراج الفصول المتفرقة.

ولعل واحدة من المسائل التي يجب الاتفاق عليها قبل الدخول في أي تفصيل، هي ما لا تعنيه هذه الخطوة؛ فهي ليست دعوة لإنشاء إدارة جديدة بهيكلها ومكاتبها وميزانيتها المستقلة، وهي لا تعني المطالبة بتوظيف كوادر إضافية، ولا حتى اقتراحاً لبرنامج ضخم يستهلك سنوات من التخطيط قبل أن يرى النور. فمثل هذا الطموح، مهما بدا مغرياً، يصطدم غالباً بواقع الأنظمة الإدارية التي تحتاج وقتاً طويلاً لاعتماد أي هياكل جديدة، وقد ينتهي به المطاف حبيس اللجان قبل أن يصل إلى فصل دراسي واحد. لذا؛ فإن الأصح أن تبدأ هذه الخطوة صغيرة قدر الإمكان، بحيث لا يلزمها أكثر من تكليف بسيط لفريق محدود العدد داخل الهيكل القائم أصلاً.

وهكذا، إن أردنا لهذه البداية النجاح وإخراجها من كونها مجرد اقتراح أو حبر على ورق، توجب الانطلاق بتدرج واضح بدلاً من القفز نحو التنفيذ الشامل؛ فعوضاً عن تعميم التجربة على كل مدرسة ومعلم دفعة واحدة، وهو خيار قد يراه البعض محفوفاً بالمخاطر الإدارية والتنظيمية على حد سواء، نذهب للبداية الأكثر أماناً باختيار عدد محدود جداً من المدارس النموذجية، لتطبق فيها التجربة كمرحلة إثبات مفهوم أولية، قبل أي حديث عن التوسع.

وهنا أيضاً لا حاجة لنا لاستهداف كل المعلمين في هذه المدارس؛ فالبداية المنطقية تكون مع معلمي المواد الأكثر التصاقاً بجوهر هذا الملف، كاللغة العربية والدراسات الاجتماعية والحاسوب، ممن تتضمن موادهم في طبيعتها مساحة طبيعية لتطبيق "الدقيقة النقدية" و"المصفاة الرباعية" دون أن يشعروا بأنها عبء دخيل على المادة.

ويمكن لهذه المرحلة التجريبية أن تمتد على مدار فصل دراسي كامل، ولنا أن نقسمها على أربع مراحل واضحة: ربع أول للتجهيز البسيط وتوضيح الفكرة للمعلمين المشاركين، وربع ثانٍ لبدء التطبيق الفعلي داخل الفصول، فيما سيكون الربع الثالث لجمع الملاحظات عبر آلية "نقطة الاتصال" التي أشرنا إليها سابقاً، وفي الربع الأخير سيتم تقييم التجربة بصدق قبل اتخاذ أي قرار بشأن توسيعها.

وعند الحديث عن التقييم، فإنه لا حاجة لاعتماد مؤشرات معقدة أو دراسات مطولة في هذه المرحلة؛ إذ يكفي أن نستند إلى عدد من الأسئلة البسيطة والقابلة للقياس مباشرة، مثل: كم عدد المعلمين الذين واظبوا على "الدقيقة النقدية" أسبوعياً دون انقطاع؟ وما عدد الأمثلة والتجارب التي تجمعت في ذلك البنك التراكمي الذي بدأناه من نقطة الصفر؟ وهل لاحظ المعلمون أنفسهم، ولو بشكل مبدئي، تغيّراً في أسئلة طلابهم تجاه المحتوى الذي يشاهدونه يومياً؟

هذه الأسئلة البسيطة، وليس التقارير الثقيلة، هي ما سيحول التجربة الصغيرة محدودة النطاق إلى قصة نجاح يمكن البناء عليها بثقة، عوضاً عن أن تكون مغامرة معزولة تنتهي بانتهاء حماس القائمين عليها. وحين تثبت هذه المرحلة التجريبية جدواها على نطاق محدد، يصبح قرار التوسع بعدها مبنياً على تجربة واقعية ملموسة، وليس افتراضاً نظرياً يستلزم الإقناع به سلفاً ودون دليل.

وأخيراً، سيظل بعد كل ذلك سؤال واحد، وهو في الحقيقة السؤال الذي بدأت هذه السلسلة منذ مقالها الأول من أجله: حين يجتمع الوعي والأداة والإذن والتنسيق، أي جيل ذلك الذي سنكون قد بدأنا بصناعته فعلاً؟ المقال القادم والأخير من هذه السلسلة، سيحاول الإجابة عن ذلك.

هذا المقال نشر سابقاً في جريدة الشرق القطرية (الرابط)

المرفقات

PDF
البنك الوطني للمناعة الرقمية PDF
عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←