تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الإعلام العسكري وإعلام الحروب

التحول الرقمي والعقيدة الإعلامية للجيوش

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
التحول الرقمي والعقيدة الإعلامية للجيوش

في عام 1991، تسمّر العالم أمام شاشات التلفاز ليتابع حرب الخليج الثانية عبر عدسة شبكات مثل "سي إن إن"؛ كانت تلك اللحظة إعلاناً رسمياً باحتكار غرف الأخبار الكبرى لصورة الحرب وسرديتها. أمّا اليوم، فلم يعد الجمهور ينتظر موجز الأنباء ليتبين خريطة السيطرة الميدانية، بل صار يكفيه أن يفتح تطبيق "تيليجرام" أو منصة "إكس" ليرى المعركة من منظور الجندي، أو من خلال عدسة طائرة مسيّرة، في بث حي ومباشر.

ولكن، هل سألت نفسك يوماً: كيف تحولت المؤسسات العسكرية -وهي الكيانات الأكثر سرية وانغلاقاً بطبيعتها- إلى أكبر منتج للمحتوى المفتوح في العالم الرقمي؟ ولماذا تتخلى جيوش نظامية كبرى عن "المنصة الخشبية" للمتحدث العسكري لصالح مقطع فيديو عمودي لا تتجاوز مدته 30 ثانية؟

نحن نقف اليوم أمام "مفارقة الانكشاف الاستراتيجي(1)"؛ ففي زمن مضى، كانت قوة الجيوش تُقاس بما تخفيه من معلومات، أما اليوم، وفي عصر الوفرة الرقمية، أصبحت قوة الردع تُقاس بما تستطيع الجيوش إظهاره وتوجيهه ببراعة.

وهنا، لم يعد الإعلام العسكري مجرد أداة تكميلية للعلاقات العامة، بل تحول إلى "عقيدة قتالية" قائمة بذاتها، وسلاح استراتيجي يُحسم به نصف المعركة قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

الإعلام العسكري في عصر الرقمنة: من البيانات الرسمية إلى التغريدات اللحظية

للبيان العسكري دلالات تتجاوز مجرد تغير أدوات النشر، ففي السابق، كان البيان العسكري يمر بسلسلة معقدة من الموافقات الاستخباراتية والقيادية، ليخرج في النهاية نصاً جامداً، محايداً وبلا ملامح، أمّا اليوم، فقد أدركت القيادات العسكرية أن السرعة تقتل الدقة، وأن ترك الساحة الرقمية فارغة ولو لدقائق معدودة يعني أن الخصم سيملؤها بالمعلومات التي قد تكون مضللة أو بالروايات المضادة.

نعم، لقد تلاشت "الساعة الذهبية" في إدارة الأزمات، لتحل عوضاً عنها "الدقيقة الذهبية"، وفي هذا السياق أصبحت المنصات المشفرة وتطبيقات المراسلة المباشرة مثل "تيليجرام" بمثابة غرف عمليات إعلامية بديلة، إذ تعمل الجيوش والفصائل المسلحة على تمرير سرديتها العسكرية وتوجيه الرأي العام، متجاوزة بذلك حراس البوابة التقليديين في القنوات الإخبارية.

هذا التحول اللحظي فرض على الجيوش تبني هيكليات التحرير الصحفي السريع، فلم يعد المتحدث العسكري اليوم مجرد ضابط يقرأ من ورقة، وانتقل ليكون مديراً لغرفة عمليات رقمية مجهزة بأدوات تحليل البيانات الفورية، ترصد "التريند"، وتقيس المشاعر العامة وتطلق التغريدات التي تُصاغ بعناية لتكون قابلة لإعادة النشر الفيروسي، ولم تعد الآلة العسكرية تكتفي بإنتاج الخبر، بل تصنع وتصيغ تفاعلاته.

حروب الشاشات: كيف أعادت المنصات الرقمية صياغة العقيدة الإعلامية للجيوش الحديثة؟

هذا الذي يحدث عندما تدرك الجيوش أن الشاشات التي في جيوب المواطنين هي الجبهة الأكثر أهمية، فتعمل على إعادة صياغة العقيدة الإعلامية بصورة جذرية، وتنتقل من التركيز على إدارة الشؤون العامة، إلى الانخراط الكامل في "حرب الإدراك(2)".

لم تعد العقيدة الجديدة تهدف إلى إعلام الجمهور أو طمأنته فحسب؛ إذ صات تهدف في المقام الأول إلى اختراق وعيه. وبطبيعة الحال فإن فالخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية، تكافئ المحتوى الذي يثير المشاعر والتي من ضمنها (الخوف، الغضب والفخر). وبناءً على ذلك، كيّفت مكائن الجيوش الإعلامية إنتاجها ليتطايق وهندسة هذه الخوارزميات.

هذا ما يفسر تحديداً السبب وراء قيام الجيوش بنشر فيديوهات عالية الجودة، وبمؤثرات صوتية وبصرية لعمليات قنص أو استهداف، ليس لتوثيق الحدث، بل لخلق حالة من الشلل النفسي لدى الخصم. نعم، لقد أصبح تصميم الجرافيك والمونتاج السريع أسلحة تكتيكية لا تقل خطورة عن المدفعية أو غيرها من المعدات القتالية، لأنها تحدد من ينتصر في معركة الرواية، وفي حروب الجيل الخامس: الرواية هي الحقيقة.

الدبلوماسية العسكرية الرقمية: متى تتحول حسابات الجيوش على السوشيال ميديا إلى أسلحة ناعمة؟

لا تنشط العقيدة الرقمية للجيوش في أوقات الحروب فقط، بل تمتد لتلعب دوراً محورياً في أوقات السلم والهدوء تحت مظلة "الدبلوماسية العسكرية(3)"، ففي بيئة رقمية تتسم بالاستقطاب وغياب الثقة بالسياسيين، تحاول الجيوش تقديم أنفسها كحارس أمين ومؤسسة احترافية تتجاوز التجاذبات.

يشير إلى ذلك وبوضوح، مؤشر "إيدلمان للثقة" لعام 2024، الذي أكد على أن هناك توجهاً متزايداً لدى الجمهور العالمي للوثوق بالمعلومات الصادرة بشكل مباشر عن المؤسسات السيادية والتنفيذية أكثر من ثقتهم بوسائل الإعلام التقليدية التي ينظرون إليها باعتبارها مسيسة.

إذاً، يمكننا القول أن القيادات العسكرية التقطت هذه المؤشرات بذكاء؛ وعمدت إلى توظيف حساباتها الرسمية كمنصات تدعم القوة الناعمة، وترجمت ذلك بصورة احترافية عززت من مكانتها في أذهان الجمهور، ومن أمثلة ذلك:

  • أنسنة البزة العسكرية: عبر نشر قصص الجنود الإنسانية، وتوثيق جهودهم الإغاثية في الكوارث الطبيعية، ما يبني رابطة وجدانية قوية مع الجمهور المحلي والدولي.

  • الردع الاستعراضي الناعم: من خلال نشر صور للمناورات المشتركة، أو فيديو تستعرض الطائرة الطائرات المقاتلة في الجو، بصورة تبعث برسائل جيوسياسية للحلفاء "نحن هنا لحمايتكم" وتقول للأعداء "نحن مستعدون".

خارطة طريق لقيادات الإعلام الرقمي: ما بعد الانبهار

يمكننا القول أن ما نعيشه من تطورات في أدوات الإعلام العسكري يعتبر تحولاً في جغرافيا السلطة المعرفية، وبالنسبة لقيادات التحرير، مدراء المنصات وصناع المحتوى الرقمي - الاستراتيجي، فإن التعامل مع هذا النوع من لا يتطلب الاكتفاء بدور النقل المبهر فحسب؛ بل ينبغي أن يتعدى ذلك إلى دور التحليل والتفكيك.

ومع ذلك أيضاً، ينبغي التأكد من عدم الوقوع في فخ الدعاية العسكرية الرقمية التي قد توظف صناع المحتوى والمؤثرين بل والمؤسسات الإعلامية كأدوات تنشر دعايتها، ولتنجنب ذلك، يمكن تبني بعض الاستراتيجيات الفعالية، مثل:

  • عدم الاكتفاء بالنظر إلى الصورة العسكرية أو الفيديو، وتجاوز ذلك للبحث عن توقيت النشر، المنصة المختارة والجمهور المستهدف. إسأل: لماذا تم تداول هذا المحتوى على إكس بالإنجليزية، ولماذا تم تداول المحتوى ذاته تيليجرام بالعربية؟.. فالسياق هنا أهم من المحتوى.

  • العمل على تتطوير أدلة تحريرية واضحة، تفرق بين المحتوى التوثيقي الإخباري، والمحتوى الاستعراضي الذي صمم خصيصاً لغرض التلاعب النفسي وهندسة المشاعر.

  • الاستثمار الحقيقي في أدوات التحقق المتقدمة ومفتوحة المصدر، والتي تتيح التحقق من بعض المعطيات والتفاصيل المتقدمة، كالمواقع الجغرافية، وتحليل الظلال، والطبيعة، ..الخ وغيرها.

في الحقيقة والواقع، نحن لم نعد نعيش العصور التي تكتفي بها الجيوش بالغزو واحتلال الأراضي، بل صارت تسعى لاحتلال الشاشات وغزو الانتباه، وهنا ينبغي التنبه لعدم الانقياد وراء سرديات -ربما- نسجت بعناية فائقة لتعطل العقل النقدي وتشعل العاطفة، سرديات تسعى لأن تجعل منك مجرد صدى لـ"تريند" عسكري، بينما يمكنك أن تكون "فلتراً" يفصل بين ضباب الحرب المفتعل وحقيقة ما يجري على الأرض فعلاً.


(1)  مفارقة الانكشاف الاستراتيجي (The Paradox of Strategic Exposure): هي مفهوم عميق يصف التحول الجذري في فلسفة القوة وإدارة الصراع في العصر الرقمي. وتتجسد هذه المفارقة في فكرة بسيطة لكنها مربكة للأنظمة التقليدية": أنّ ما تكشفه طواعية للجمهور والخصوم، قد يمنحك قوة ونفوذاً أكبر بكثير مما تحاول إخفاءه بصعوبة".

وبالنسبة لقادة الإعلام الرقمي وصناع السياسات، تعني: التخلي عن عقلية "حارس البوابة" الذي يمنع تدفق المعلومات، والتحول إلى عقلية "المايسترو" الذي يقود هذا التدفق.

(2)  حرب الإدراك (Cognitive Warfare): تُمثل النقلة النوعية الأحدث والأكثر تعقيداً في تاريخ النزاعات؛ حيث يُعتبر العقل البشري هو ساحة المعركة السادسة، بعد البر، والبحر، والجو، والفضاء، والفضاء السيبراني.

وهي حرب لا تُطلق رصاصة، ولا تترك دماراً مادياً، بل تستخدم المحتوى الرقمي كـ "فيروس ناعم" يُزرع في عقول الجماهير. إنها تجعل الخصم يهزم نفسه بنفسه، من خلال تدمير الإرادة، وتفتيت الثقة، وإعادة برمجة القناعات لتتطابق مع أهداف المهاجم، وكل ذلك والمستهدف يعتقد أنه يتخذ قراراته بكامل حريته ووعيه.

(3)  الدبلوماسية العسكرية (Military Diplomacy): وتُعرف أيضاً في الأوساط الأكاديمية بـ "الدبلوماسية الدفاعية (Defense Diplomacy)"، هي باختصار: الاستخدام السلمي والتعاوني للقوات المسلحة والمؤسسات الدفاعية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة.

ومع تفوق الإعلام الرقمي تحولت الدبلوماسية العسكرية إلى  "محتوى بصري استراتيجي"؛ فالجيوش اليوم تستخدم منصاتها الرقمية لترجمة هذه الدبلوماسية إلى سرديات مرئية، أو تغريدات بلغات متعددة، يصل بها إلى ملايين المستخدمين، ليُهندس انطباعاتهم ويُرسخ قوة الدولة ومكانتها في الوعي الجمعي العالمي.

المراجع:

[1] مركز الجزيرة للدراسات: هندسة المحتوى الرقمي في شبكات التواصل الاجتماعي: فصل من حروب الأجيال الجديدة

 [2] مركز الابتكار التابع لحلف الناتو: مفهوم حرب الإدراك (The Cognitive Warfare Concept).

 [3] مؤشر إيدلمان للثقة 2024: الابتكار في عصر الاستقطاب.

عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←